ابن أبي العز الحنفي
516
شرح العقيدة الطحاوية
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ الحج : 19 ، الآيات . وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة - من القسم الأول ، وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء . لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ، ولا تنصفها ، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل ، والأخرى كذلك . ولذلك جعل اللّه مصدره البغي في قوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ البقرة : 213 . لأن البغي مجاوزة الحد ، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة . وقريب من هذا الباب ما خرجاه في « الصحيحين » ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » « 798 » . فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به ، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية . ثم الاختلاف في الكتاب ، من الذين يقرّون به - على نوعين : أحدهما اختلاف في تنزيله ، والثاني اختلاف في تأويله . وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض : فالأول كاختلافهم في تكلم اللّه بالقرآن وتنزيله ، فطائفة قالت : هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا في غيره لم يقم به ، وطائفة قالت : بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق ، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته . وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل ، فآمنت ببعض الحق ، وكذّبت بما تقوله الأخرى من الحق ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك . وأما الاختلاف في تأويله ، الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض ، فكثير ،
--> ( 798 ) صحيح ، وهو مخرج في « الأحاديث الصحيحة » ( 850 ) برواية الترمذي وتصحيحه ، وفي « الإرواء » ( 155 و 314 ) برواية الشيخين وغيرهما ، وقد ذكرت له فيه سبع طرق أخرى عن أبي هريرة رضي اللّه عنه .